تراكم الفقر والغضب جعل مصر تبدو كأمة متروكة على الهامش، وهو ما لم يكن مبارك ونخبته الاقتصادية يتوقعون مواجهته يومًا. لقد اعتقدوا، بل حتى الناس أنفسهم اعتقدوا، أن السلبية هي السمة الغالبة على المصريين. وبينما كانوا يعيشون في قصورهم الفاخرة وينعمون بأسلوب حياة مترف داخل مجتمعاتهم المغلقة، لم تكن النخبة السياسية في مصر ترى أو تدرك معاناة المواطنين العاديين. لم يروا ببساطة الانفجار القادم. فوجئوا جميعًا، كما ظهر في سلوكهم السياسي-الأمني خلال الأيام الثمانية عشر الأولى من الثورة.
كانت الأمة الغاضبة في حالة غليان، مستعدة لشرارة تشعل الانفجار. وقد حدث ذلك بالفعل. خالد سعيد من جانب، ومحمد البوعزيزي من جانب آخر – شرارتان التقتا في جسد أمة في اللحظة المناسبة، وأطلقتا إرادة جماعية عازمة على الإطاحة بالنظام وقائده، المسؤول عن معاناة الناس. على الأقل، هذا ما اعتقده المتظاهرون في 25 يناير باعتباره هدفهم النهائي. لقد وصلت معاناتهم والظلم الذي تعرضوا له إلى ذروته، وكانوا مستعدين للانفجار في وجه من اضطهدهم.
خالد سعيد، الشاب المصري العادي الذي قُتل ضربًا على يد قوات الأمن، جعل الناس يشعرون أنهم لم يعودوا قادرين على تحمل وحشية النظام، بغض النظر عن السبب الحقيقي وراء الغضب، سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا أو حتى مجرد إحساس إنساني بالظلم. أما محمد البوعزيزي في تونس، فقد دفع المصريين إلى الاعتقاد بأن «بإمكاننا فعل ذلك أيضًا» عندما أضرم النار في نفسه لحظة يأس مطلق أدت إلى الإطاحة بدكتاتورية بن علي القاسية.
إذا نظرنا إلى المشهد العام منذ بداية 2011 حتى يومنا هذا، وقارننا الوضع الاقتصادي الحالي بحال الناس، فهل سنرى تغييرًا؟ الإجابة سريعة وحاسمة: لا! ربما حدثت بعض التغييرات الطفيفة هنا وهناك، مثل النمو البطيء لقوة الحركات العمالية وعمال المصانع، لكنها لا تزال بعيدة عن مستوى التطلعات. فعليًا، خلال الأشهر الـ33 الماضية منذ سقوط مبارك، رأس النظام المريض المزمن، استولت قوى أخرى على السلطة، لكنها لم تكن أقل عداءً للفقراء من مبارك وحرسه الاقتصادي. القوتان السياسيتان الوحيدتان اللتان كانتا مستعدتين لتولي الحكم – المجلس الأعلى للقوات المسلحة وجماعة الإخوان المسلمين – جعلتا من الصعب جدًا على الناس جني ثمار تضحياتهم.
المجلس العسكري، المكوَّن من جنرالات موالين لمبارك، خدع الناس واستغل الثوار بالتظاهر بدعم الثورة من أجل الحفاظ على مصالحه. عمل بجهد على حماية الهيكل السياسي القائم بكل ما فيه من ظلم اقتصادي، وهو هيكل يسيطر فيه الجيش على جزء كبير من الاقتصاد المصري. قضى المجلس حوالي 15 شهرًا في الحكم المطلق، مستغلًا كل فرصة لإبقاء الظلم قائمًا، مدعومًا علنًا بالإسلاميين الطامحين إلى السلطة، الذين استخدموا نفوذهم كآلة دعائية بين الناس.
لكن التحالف العسكري-الإسلامي لم يدم طويلًا. لم يكن المجلس العسكري وفيًا للاتفاق، بل كان يستخدم الإسلاميين فقط لتمرير الفترة الانتقالية دون أي إعادة هيكلة جوهرية، باستثناء بعض التعديلات الشكلية للاستهلاك الإعلامي. أما جماعة الإخوان المسلمين، فقد كانت لديها طموحاتها الخاصة في السيطرة على قمة الهرم السياسي المصري. وقد تحقق حلمها جزئيًا لمدة عام واحد، عندما وصل الرئيس محمد مرسي إلى القصر. بدأت عملية «أخونة» الدولة بشكل عدواني فور فوزه بالانتخابات الرئاسية، حيث أقال مرسي المجلس العسكري المعيَّن من قبل مبارك واستبدله بمجلس آخر كان على الأرجح يحمل نفس التوجهات، لكنه لم يكن صريحًا بقدر سابقيه. لم يكن مستغربًا أن يبقى الظلم الاقتصادي هو السمة السائدة. بل ربما ازداد الأمر سوءًا في ظل حكم الإخوان، نظرًا لإيمان الجماعة القوي بالاقتصاد النيوليبرالي وسياستها الداعمة للسوق الحرة.
صندوق النقد الدولي، بدوره، لم يكن لديه أي اعتراض، لأسباب واضحة. أولًا، لا يمكنه المخاطرة بفقدان مصر كشريك سياسي في المنطقة. ثانيًا، سواء كان المجلس العسكري أو الإخوان في الحكم، فكلاهما يخدم أهداف الصندوق ويتبنى سياسات التكيف الهيكلي نفسها، مع فرض الاقتصاد الحر بنفس استراتيجية «العصا والجزرة». وكوكيل للقوى الاقتصادية العالمية، التي تمثل مصالحها في المنطقة، يراقب صندوق النقد الدولي التطورات السياسية في مصر ما بعد مبارك عن كثب، ويصر على تقديم «دعمه» في شكل قروض، بينما يروج لصورة قاتمة ومتشائمة لمستقبل البلاد في حال لم تُتبع توجيهاته.
وبالعودة إلى السؤال الذي تطرحه هذه السلسلة حول ما إذا كانت الثورة قد فشلت أم لا، بالنظر إلى أن الحكومات السبع التي تعاقبت بعد مبارك خلال الأشهر الـ33 الماضية لا تزال حبيسة العقلية الاقتصادية نفسها التي أُطلق عليها «مباركونوميكس»، والتي تعتمد على السياسات المؤيدة للأثرياء، فإن الإجابة لا تزال بثقة: لا، الثورة لم تفشل. وما يجب أن نكون متأكدين منه هو أن الثورة بدأت بالفعل في 2011، لكنها مجرد بداية لطريق طويل مليء بالمطبات، يحتاج الناس إلى اجتيازه لاستعادة حقوقهم الاقتصادية والعدالة الاجتماعية من أيدي من يتحكمون في مصائرهم. ورغم ما يبدو اليوم من دعم هستيري للجيش وعودة ممارسات مبارك الأمنية القمعية، فإن ذلك بالتأكيد أمر مؤقت في طريق ثوري يبدو واضحًا أنه سيكون طويلًا، صعبًا، ومتقلبًا.
…يتبع
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.