منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في 3 يوليو من هذا العام على يد الجيش وبدعم جماهيري، تشهد مصر نموذجًا فريدًا من نماذج الحكم: أسلوب قيادة يجمع كل شيء في آنٍ واحد.

رسميًا، لدينا السيد عدلي منصور رئيسًا مؤقتًا للبلاد حتى اكتمال ما يُعرف بخريطة الطريق، والتي يُفترض أن تتحقق في ربيع العام المقبل. أما فعليًا، ودون أن نضيع وقتًا في الجدل، فإن الحاكم الفعلي للبلاد هو الفريق أول عبد الفتاح السيسي، الرجل الذي استجاب لنداء الجماهير ووقف في وجه جماعة الإخوان المسلمين.

باستثناء الإخوان، فإن هدف السيسي هو إسعاد كل المصريين. المصريين بمختلف أطيافهم: الثوريون (أو من يُعتبرون كذلك)، والنخبة السياسية، ونخبة رجال الأعمال، والأهم من ذلك، الجماهير التي طلبت منه التدخل يوم 30 يونيو.

ولأجل الجماهير وبعض من النشطاء الثوريين، وخصوصًا حركة «تمرد» التي حظيت بدعم واسع وترويج إعلامي، كان عليه أن يتبنى نهجًا ناصريًا. لقد خاطب الشعب المنتشي وهو يرتدي بدلته العسكرية، مستخدمًا لغة تُثير حنين الفقراء والمحرومين إلى حياة كريمة. وقد أدى دور ناصر بإتقان، وكسب قلوب الجماهير بسهولة.

وفي جانب آخر من توجهاته، يتبع السيسي أسلوبًا ساداتيًا جزئيًا في تركيزه على لغة قومية مفرطة حول مصر. فعبارة «مصر فوق الجميع» باتت تُرى وتُسمع في اللافتات في كل مكان. وقد تبنّى السادات نفس الخطاب في أواخر السبعينيات، حين أراد أن ينسحب من الالتزام الناصري بالقومية العربية. والسيسي يفعل الشيء ذاته بشكل ناعم، إذ يفكك بهدوء روابط الانتفاضات العربية.

من ناحية أخرى، وبينما لا يمكن للبلاد أن تعيش فقط على أحلام ناصرية رومانسية، فإن الاقتصاد المتدهور يشكل عبئًا ثقيلًا على أي خطة للسيسي – خصوصًا في ظل غياب أي سياسي في السلطة يمتلك رؤية اقتصادية ذات مغزى. لذا، اضطر الجنرال إلى اللجوء إلى القوة الوحيدة الجاهزة للعب هذا الدور: نخبة رجال الأعمال الحالية، نفس المجموعة التي أتى بها مبارك ونجله جمال إلى سدة النفوذ. لكنه لم يستخدم اللغة الباهتة لمبارك. بل تبنى خطابًا أقرب إلى السادات، خليط غير متماسك من القومية المصرية المتضخمة في إطار قطاع خاص مطيع للدولة داخل نموذج اقتصاد السوق الحر.

لكننا اليوم لا نعيش خمسينيات ناصر ولا سبعينيات السادات. البلاد في حالة اضطراب منذ الإطاحة برأس النظام السابق مبارك، ولا يزال الناس يعيشون في حالة من التفاعل الثوري المرتبط بقوة الشارع، معتقدين أنهم قادرون على إحداث التغيير بأيديهم. نعم، هم يدعمون السيسي بقوة لأنه وقف إلى جانبهم ضد حكم الإخوان، لكن «الاستقرار» صار شرطًا ضروريًا للمضي قدمًا بالبلاد، كما يعتقد أي من هم في السلطة.

وهنا، تدخل وزارة الداخلية إلى المعادلة السياسية الحالية في مصر. وهنا أيضًا تستفيق وزارة داخلية مبارك، التي اختبأت في خزي طيلة ثلاث سنوات، لتعود وتحاول فرض ما يُسمى بالاستقرار. لكن عمليًا، لا تملك تلك الأجهزة سوى الأساليب الفاشية القديمة نفسها التي اندلعت الثورة ضدها. إنها عودة هزلية لقبضة مبارك الأمنية الثقيلة والعمياء.

فلنطرح الآن سؤالًا عقلانيًا لا بد منه: هل هذا الخليط من الأساليب الناصرية-الساداتية-المباركية، بالنظر إلى الفشل التاريخي لكل منها، قابل للاستمرار؟ والإجابة، لأسباب بسيطة جدًا، هي: لا.

أولًا، فإن السياسات الناصرية المنحازة نسبيًا للفقراء، والتي استخدمها السيسي لاجتذاب الجماهير التي خرجت تطالب بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية في 2011، لا يمكن تحقيقها دون تكلفة. وهي تكلفة تتطلب تغييرات جذرية في النظام الاقتصادي القائم. فهل لدى النخبة الحاكمة في مصر اليوم الاستعداد لفك ارتباط البلاد بمنظومة الاقتصاد الحر العالمية، أو حتى تملك المعرفة لذلك؟ حتى الآن، لا توجد مؤشرات على امتلاك هذه القدرة، باستثناء ما تسببت فيه السياسات من فوضى دبلوماسية نتيجة لانتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

ثانيًا، وداخليًا، فإن مثل هذه الوعود المنحازة للفقراء لها كلفة تجارية على أولئك الذين يسيطرون على أغلب الاقتصاد المصري، في الوقت الذي يتودد فيه النظام الحالي لهم – أي نخبة رجال أعمال مبارك – لضمان بقاء الاقتصاد واقفًا على قدميه. فهل هناك من يعتقد أن هؤلاء مستعدون لدفع تلك الفاتورة؟ الاحتمال ضعيف جدًا.

ثالثًا، طالما أن حياة الناس لن تتغير، على الأقل اقتصاديًا، فلماذا قد يقبل المواطن العادي بعودة صريحة لدولة البوليس التي ضحى الآلاف بحياتهم لمواجهتها؟ من المؤسف أن عودة وزارة الداخلية بهذا الغرور والعنف، محمية بقانون التظاهر الجديد الذي طُبخ على عجل، تشبه كثيرًا عودة الديناصورات في مواجهة جيل شاب يفكر بطريقة مغايرة تمامًا – بل وسريعة أيضًا. قبل أيام فقط، أطلق نشطاء ومحتجون تطبيقًا على الهاتف المحمول باسم «أنا باتقبض عليّ»، يكفي فيه نقرة واحدة لإبلاغ شبكة غير محدودة من المحامين والنشطاء ووسائل الإعلام، للتحرك الفوري.

الخلاصة أن هذا التحالف العائلي بين الجيش، ووزارة داخلية مبارك، ونخبة جمال الاقتصادية، ما يزال هو من يحكم البلاد. وما دام الناس يُعتقلون أو يُقتلون لمجرد التعبير عن آرائهم، فإن المصريين لا يزالون عالقين في يوم 11 فبراير 2011، حين اضطر مبارك إلى مغادرة منصبه، بينما لا يزال المكتب ذاته يحكم البلاد بالتنسيق مع إرث جمال الأخير.

نهاية السلسلة…

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.