المصلحة الحقيقية لزعماء ما بعد مبارك كانت في تأمين السلطة لأنفسهم، لا السلام للشعب
لسبب ما، يبدو أن الحكام المصريين مهووسون بتسويق أي مشروع سياسي تحت شعار «الاستقرار». في عام 2011، أُقرّ الاستفتاء على الإعلان الدستوري بعد تنحي مبارك، وهو اتفاق بين جماعة الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية، بأغلبية كبيرة. كان الهدف منه تحقيق الاستقرار بعد اضطرابات 25 يناير. لكنه فشل، وكان بمثابة مدخل إلى متاهة سياسية ما زالت مصر تائهة فيها حتى اليوم.
في عام 2012، قدّمت جماعة الإخوان دستورها الغامض، غير الديني وغير العلماني، كوسيلة لتحقيق الاستقرار. لكن لسوء حظهم، كان هذا الدستور أحد أسباب سقوطهم بعد عدة أشهر.
استفتاء اليوم على الدستور المدعوم من الجيش من المرجّح أن يحظى بأغلبية ساحقة لصالحه، ومرة أخرى يُقدَّم باعتباره طريقًا نحو الاستقرار. لكن هل سينجح هذا الاستفتاء الثالث في تحقيق ما فشل فيه الاستفتاءان السابقان؟
للإجابة عن هذا السؤال، علينا أولاً أن نطرح سؤالًا آخر: هل كان الاستقرار بالفعل هدفًا للزعماء الذين جاؤوا بعد مبارك؟ أعتقد أن الإجابة لا. فقد انصب تركيزهم على تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق أهداف أكبر، وهي: إحكام السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة، وإنهاء تمدد الثورة (وذلك من خلال شيطنة النشطاء الشباب، ومنع فتح «الصندوق الأسود» لمبارك، بما يحول دون تحقيق قضائي حقيقي في ممارسات النظام القديم).
من المرجّح أن يلقى هذا الاستفتاء نفس مصير سابقيه، لكن فشله النهائي سيستغرق وقتًا أطول. لا أحد يشك في أن الدستور سيُقرّ بأغلبية «نعم» ساحقة. وبهذا المعنى، فإن الحملات الدعائية الموجهة للمواطنين العاديين تمثل إهدارًا للأموال. فقد كانوا سيدعمون التعديلات على أية حال، نظرًا لتوقهم إلى التخلص من الإخوان وإرثهم
لقد كانت تجربة عام 2012 تجربة سيئة للغاية بالنسبة للمصريين، إذ شهدوا كيف يمكن أن يكون عليه الحكم الديني. وسهّلت جماعة الإخوان الأمر كثيرًا، بفضل غرورها وسوء إدارتها، على المؤسسة العسكرية التي عادت لتتولى السيطرة الكاملة على الحياة السياسية – هذه المرة بدعم شعبي شبه كامل، بفضل آلة الدعاية المضادة للإخوان، والتي أنشأها الجيش وبقايا نظام مبارك ونخبة رجال الأعمال الذين يسيطرون تمامًا على وسائل الإعلام المصرية.
كان من الأذكى للمؤسسة العسكرية ألا تدفع باتجاه هذا الدستور الجديد بشكل علني وواضح إلى هذا الحد. فقد غطت الدعاية كل شوارع البلاد وجسورها، ولم تقتصر على وسائل الإعلام التقليدية. وكان الشعور السائد هو أنك قد تفتح ثلاجتك فتجد لافتة «نعم» على قطعة كعك بايت وتتساءل من وضعها هناك. وكان من غير الحكمة اعتقال من يدعون إلى التصويت بـ«لا»، وهو ما ضمن أن تنطبع صورة سلبية على العملية برمتها.
من المسلم به أن هذا الدستور سيتم تمريره. وهذه حقيقة لن تؤدي بالضرورة إلى تحقيق الاستقرار المزعوم، لكنها ستمنح الجيش، وفلول نظام مبارك، ونخبة رجال الأعمال ما كانوا يسعون إليه: السلطة، والحماية، و«قناع ديمقراطي» لعرضه على الأطراف الدولية. وعلينا أن نتذكر أنه لم يجرؤ أي حاكم مصري، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، على أن يكون خصمًا للولايات المتحدة أو للغرب بشكل عام (والعكس كذلك).
لكن، هل هذا هو الاستقرار؟ جماعة الإخوان المسلمين ليست فصيلاً صغيرًا، والجماعات الإسلامية المتشددة لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه إسقاط النموذج الإسلامي الوحيد، حتى وإن لم تكن تحبّذه.
خارطة الطريق السياسية ستستمر، وسيظل الجيش ممسكًا بزمام السلطة (بشكل دستوري هذه المرة) سواء بشكل مباشر أو من خلف واجهة مدنية. ولكن قبل أن ندرك الأمر، ستُطلق حملة جديدة تدعو إلى «الاستقرار»، بعد أن يكتشف الناس – وللمرة الثالثة – أن هدف الثورة المتمثل في الحرية والعدالة الاجتماعية لا يزال غائبًا عن أجندة أي طرف سياسي.
هذا المقال نشر أولًا بجريدة الجارديان.