منذ بضعة أسابيع، اتصلت بصديق قديم لأودّعه قبل أن أتوجه إلى بروكسل بعد فوزي بجائزة من الاتحاد الأوروبي عن عملي خلال العامين الماضيين. أوضحت له بإيجاز ما سأقوم به في عاصمة أوروبا، وأنني سأعقد سلسلة من الاجتماعات مع مسؤولين كبار في الاتحاد الأوروبي.
جاء رده على الفور: «قل لهؤلاء الأوروبيين أن يرفقوا بمصر ويتوقفوا عن دعم الإخوان المسلمين».
رد فعل صديقي جعلني أفكر في مأساوين مترابطتين بشكل غير مباشر. الأولى، أنه بسذاجة يظن أن «هؤلاء الأوروبيين» سيستمعون إلى كتّاب أو باحثين مثلي أو سيقرؤون ما نكتب بعناية، ثم يأخذون به أبعد من مجرد استهلاك سريع في أروقة السياسة اليومية. أما الثانية، فهي أنه، رغم كونه شخصًا «متعلمًا جدًا»، فإنه يصدق بشكل غريب دعاية الدولة المصرية، التي تصوّر الاتحاد الأوروبي زورًا على أنه داعم للإخوان، وهو شكل آخر خطير جدًا من السذاجة.
لفهم تلك الدعاية الرسمية المناهضة للاتحاد الأوروبي، أعتقد أننا بحاجة إلى التركيز على مفهوم الضعف. فالحكومة المؤقتة المدعومة من الجيش شعرت بأنها كانت في أكثر لحظات ضعفها في موقفين: الأول، عندما أطاحت بحكومة منتخبة ديمقراطيًا، والثاني، عندما قمعت اعتصامي الإخوان في رابعة العدوية والنهضة بوحشية بالغة.
حينها، وكأي حكومة سابقة منذ معاهدة كامب ديفيد تهتم بعلاقاتها الدولية وصورتها أمام العالم، ردت الحكومة على إدانة الاتحاد الأوروبي للانقلاب العسكري والمجزرة بطريقة مبالغ فيها. ولأنه لا توجد وسيلة منطقية لتبرير الأزمتين، لجأت إلى دعاية منظمة ومكثفة عبر وسائل الإعلام المحلية كافة، سواء الحكومية أو الخاصة، تكرّر فيها رواية تدّعي أن الاتحاد الأوروبي هو حليف وداعم لـ«الإخوان الإرهابيين»، ولهذا السبب أدان الانقلاب والمجزرة.
تكرار هذه الرواية ليلًا ونهارًا في جميع وسائل الإعلام جعل من الصعب على أشخاص مثل صديقي القديم تجاهلها. بل على العكس، تحولت القصة إلى مستوى أعلى من الخيال ونظرية المؤامرة. الإعلام المصري المسيطر عليه بإحكام جعل الأمر يبدو وكأنه مسلسل درامي رخيص، حيث يُقال إن الاتحاد الأوروبي يقيم علاقة سرية مع الإخوان.
الآن، لنلقِ نظرة على منظور الأوروبيين تجاه الإخوان المسلمين، أو الإسلام السياسي عمومًا، سواء على مستوى الشارع أو على المستوى الرسمي للاتحاد الأوروبي.
على مستوى الشارع، علينا أن نكون صادقين بشأن كيفية رؤية المواطن الأوروبي العادي لصعود الإسلام السياسي والإخوان كجهة سياسية حصلت فجأة على فرصة مشروعة للحكم. الأوروبيون العاديون شعروا بعدم ارتياح شديد، إن لم يكن خوفًا، نظرًا لانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 وما تلاها.
في السياسة المبسطة على مستوى الشارع، لن يكون الأوروبي العادي غاضبًا على الإطلاق من إقصاء الإخوان حتى لو كان ذلك بوسيلة غير ديمقراطية. أما فيما يتعلق بالعنف الذي تلا ذلك، فإن البعض يعتقد بخجل أن هذا هو سلوك العرب المعتاد، بينما قد يذهب آخرون إلى التطرف فيرون أن العرب ليسوا سوى مجموعة من الهمج، وأنه من «الطبيعي» أن نكون دمويين بهذا الشكل. بشكل عام، قد يكون الشارع الأوروبي مرتبكًا، لكنه بالتأكيد ليس غاضبًا.
على الجانب الآخر، لا تستطيع الحكومات الوطنية في أوروبا، ولا الاتحاد الأوروبي، اتخاذ أي موقف سوى إدانة الانقلاب العسكري والعنف غير المسبوق الذي تبعه. فهم ببساطة لا يملكون خيارًا آخر، حتى لو لم يكن البعض منهم غاضبًا بشدة مما حدث.
لو تبنّى الاتحاد الأوروبي أي موقف آخر، لكان ذلك انتكاسة شديدة لمعايير وقيم سياسية راسخة في صلب فكر الحُكم الأوروبي على مدى العقود الماضية، والتي باتت مسلَّمات لدى المواطنين الأوروبيين. بالطبع، لا يعني هذا أن هذه القيم تُطبَّق بالكامل خارج القارة العجوز، لكن لا يوجد زعيم أوروبي واحد يجرؤ على انتهاك هذه المبادئ المتفق عليها علنًا، حتى لو كان يؤمن بخلاف ذلك. فإن حدث ذلك، فقد يكون بمثابة انتحار سياسي دراماتيكي.
وبينما لا يجب أن نكون في موقف دفاعي عن موقف الاتحاد الأوروبي من الإخوان، علينا أيضًا ألا ننسى أخطاء الاتحاد في التعامل مع الثورة المصرية. فقد ركّز على البحث عن حلفاء للعمل معهم أكثر من تركيزه على فهم تعقيدات الوضع على الأرض. تعامل الأوروبيون مع الإخوان بعد وصولهم إلى السلطة عبر صفقة غامضة مع الجيش عقب سقوط مبارك.
لكن هذا لا يعني، كما قد يفسر البعض، أن الاتحاد الأوروبي كان يدعمهم. الأوروبيون تعاملوا معهم كـ«حكومة»، مثل أي حكومة أخرى قد تأتي من تيار سياسي مختلف. ومع ذلك، كان الخطأ الأكبر للاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالإخوان هو رد فعله الضعيف جدًا تجاه إعلان مرسي الدستوري، الذي وضع نفسه بموجبه فوق القانون.
أعتقد أنهم ببساطة لم يعرفوا ماذا يقولون لدافعي الضرائب لديهم، خاصة بعد أن قدّم الاتحاد الأوروبي لمصر، قبل أسابيع قليلة فقط، حزمة مساعدات مالية ضخمة.
باختصار، الاتحاد الأوروبي ليس حليفًا ولا داعمًا للإخوان المسلمين كما يصوّره الإعلام المصري ليلًا ونهارًا. إنه ببساطة عالق في قيم الديمقراطية وحرية التعبير، مع القليل من الفهم لتعقيدات السياسة على أرض الواقع. مرحبًا بكم في عالم السياسة الدولية.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.