في عام 2007، وأثناء إنتاج فيلم وثائقي لي بعنوان «عودة في تابوت»، يتناول ظاهرة الهجرة غير الشرعية من مصر إلى إيطاليا عبر ما يُعرف مأساويًا بـ«قوارب الموت»، تعرفت على أشخاص حقيقيين، وليس مجرد قصص إعلامية مبالغ فيها تُستخدم لبيع الخبر للجمهور.

في قرية تُدعى تطون بمحافظة الفيوم في مصر، وافق رجل في أوائل الثلاثينات من عمره، حاصل على شهادة تعليم فني، على إجراء مقابلة أمام الكاميرا وسرد قصته. كان مهووسًا بفكرة مغادرة مصر إلى إيطاليا بأي وسيلة ممكنة. هذا الشاب اليائس حاول بالفعل مرتين من قبل، لكن السلطات الإيطالية أعادته إلى مصر بعد إنقاذه من غرق قاربه. كان من بين الناجين المحظوظين، بينما لم يصل آخرون لا إلى إيطاليا ولا عادوا إلى ديارهم.

وفقًا لبعض المصادر التي تحدثت إليها في القرية، كانت تكلفة رحلة كهذه في عام 2007 تتراوح بين 30 ألفًا و50 ألف جنيه مصري. شابنا الجريء قام بالمحاولة مرتين وكان يعمل على الثالثة، قائلاً لي: «مصر لم تفعل لي شيئًا، وليس لدي شيء هنا يستحق البقاء من أجله».

قصة أخرى شهدتها قبل أسابيع في إحدى عيادات بروكسل قد تعطينا تصورًا لما قد يكون عليه مستقبل هذا الشاب المصري الجريء، إذا تمكن من عبور البحر المتوسط و«حالفه الحظ» ليحصل على وظيفة كعامل بناء أو منظف في أوروبا لثلاثين عامًا قادمة. دعونا نفترض، نظريًا، أنه هو نفسه الرجل الذي التقيته في بروكسل.

رجل في أوائل الستينات من عمره، يبدو ضعيفًا للغاية وكأنه في الثمانينات أو التسعينات، يُقاد ببطء إلى غرفة الانتظار من قبل ابنه، وهو شاب في أوائل العشرينات، يرتدي قبعة تحمل شعار «نيويورك» في يوم خالٍ من الشمس، كما هو الحال في معظم أيام وسط أوروبا. أجلس الابن والده، وبلهجة مغربية لم أفهم منها سوى 50% على الأكثر، أدركت أنه مضطر لترك والده والعودة إلى العمل، فقد أوشك استراحته على الانتهاء. وببساطة، غادر الابن، تاركًا والده المريض جدًا خلفه.

لاحقًا، بينما كنت أنتظر في نفس الغرفة، حيث كنت هناك فقط لاستفسار بيروقراطي لم يُجب عليه حتى اليوم، جاءت إحدى الموظفات في العيادة لمساعدة الرجل المسن، الذي بدا لي أنه في أيامه الأخيرة. نظر إليها من جانبه وقال شيئًا بالفرنسية لم أفهمه – ولا أعتقد أن الموظفة فهمته أيضًا. ثم نظر أمامه مباشرة، محدقًا في الفراغ بعينين خاويتين، وبدأ يتمتم بصوت خافت بلهجته المغربية. لم أفهم كل شيء، لكنه كرر كلمات وعبارات مثل «يا رب»، و«ابني»، و«بضعة أيام»، و«الحمد لله، كلنا راحلون بلا شيء».

حاول مريض مغربي أصغر سنًا المساعدة في الترجمة، لكن دون جدوى. وقف الرجل المسن مستندًا إلى عصاه، ومشى ببطء خارجًا من العيادة، متجاهلًا الموظفة ومواطنه المغربي، واختفى ببساطة بعد أن أُغلق الباب خلفه. عاد المهاجر المغربي الآخر إلى مقعده ينتظر دوره، بينما ذهبت الموظفة للاطمئنان على مريض آخر.

ببساطة، استمرت الحياة، ولم يكن مفاجئًا أن الكون لم يتوقف حدادًا على الرجل المغربي المسن المكتئب والعاجز، الذي أراه نسخة مستقبلية لما يمكن أن يكون عليه الشاب المصري في 2007، إذا ما نجح في الوصول إلى لامبيدوزا الإيطالية، ونجا من معسكر احتجاز المهاجرين غير الشرعيين على الساحل، ثم أُطلق سراحه بمعجزة ليدخل أوروبا الداخلية بحثًا عن وظيفة بسيطة يحتاجها الجميع، لكن لا أحد يريد القيام بها.

أنفق شابنا المصري المكتئب بين 90 ألفًا و150 ألف جنيه ليعيش في مكان آخر، لكنه ظل مكتئبًا، ولكن بطريقة مختلفة. في رأيي، حياته كانت ستصبح أسوأ، لأنه كان سيفقد الشيء الوحيد الذي قد يكون إيجابيًا في قريته الفقيرة – وهو التكافل الاجتماعي والروابط الأسرية، التي لا يجد الكثير من الأوروبيين وقتًا لها.

من المفارقات، أن هذا المبلغ، الذي كان يمكن أن يكون كافيًا لبدء مشروع صغير ممول جيدًا، أنفقه بتهور مخاطِرًا بحياته إلى أقصى حد، فقط ليعيش منبوذًا اجتماعيًا في بيئة غريبة لا تتقبله، ويُترك وحيدًا في عيادة من قِبل ابنه الذي لم يعد عربيًا، ولا بلجيكيًا.

عند مراقبة العرب الذين قضوا عقودًا من حياتهم في أوروبا، نادرًا ما أرى السعادة. الغالبية يعانون من اكتئاب عميق وحنين مؤلم، مغلف بتعليقات مبالغ فيها عن الحياة في أوطانهم، التي يعتبرونها «غير قابلة للعيش». يقنعون أنفسهم بذكاء أنه لم يكن هناك خيار آخر، وأن الهجرة كانت الحل الوحيد. أعتقد أنهم يكررون هذه الفكرة لأنفسهم قبل الآخرين، فقط من أجل التعايش مع الحياة التي اختاروها، عالقين بين عالمين، شمال وجنوب المتوسط، وكأنهم ما زالوا على متن أحد «قوارب الموت» التي لم تغرق.

بوجه عام، الهجرة من الناحية النظرية ليست بالضرورة خيارًا جيدًا أو سيئًا؛ إنها تغيير جذري في الحياة، قد يكون للأفضل أو للأسوأ. في الواقع، أؤمن بأن حرية التنقل جيدة للبشرية على المدى الطويل. لكن الهجرة لأسباب اقتصادية واهية وغير مدروسة، ما هي إلا هدر لحياة الإنسان.

ربما شخص لديه شغف بعلم الأحياء البحرية في بلد بلا سواحل، لن يحتاج إلى تفكير طويل ليقرر أين سيقضي بقية حياته. ربما شخص آخر لديه آراء سياسية مثيرة للجدل في دولة عربية، حيث تتراوح حرية التعبير بين المعدومة والمنتهكة بشدة في أفضل الأحوال، لديه كل الأسباب للهجرة فورًا إلى مكان أكثر أمانًا لإنقاذ حياته. نعم، أوروبا، رغم كل عيوبها، لا تزال المكان الأكثر أمانًا نسبيًا لهذه الفئة المهددة. لكن كم عدد المهاجرين العرب إلى أوروبا فعلوا ذلك لأسباب سياسية، أو لدراسة علم الأحياء البحرية؟ أعتقد أنهم نسبة ضئيلة جدًا.

كملاحظة جانبية، أقل من 4% من المصريين المغتربين اهتموا بالتصويت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهو ما أعتبره مؤشرًا على أن سبب الهجرة كان اقتصاديًا بالأساس، وليس سياسيًا.

أعتقد أنه إذا كنت عربيًا غير مسيّس، وأعاني من ضائقة اقتصادية، وكان عليّ الاختيار بين البقاء في بلدي محاولًا النجاة وسط أهلي، أو الهجرة إلى بلد آخر لأحفر لهم مجاريهم الصحية، ثم يُتركني ابني مرتديًا قبعته الأمريكية لأموت وحيدًا، كنت سأفضّل الموت في قريتي الفقيرة بين أهلي، أشاهد فيلمًا وثائقيًا عن البطالة في أوروبا وفشل مشروع الاندماج الثقافي.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.